السيد كمال الحيدري

140

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

12 من المداخل النظرية التي ساهم بها البحث التمييز في نظرية التفسير بين قراءتين لمقولة « الأمر بين الأمرين » ؛ قراءة ترتكز إلى التفسير الفلسفي المشائى للوجود الإمكانى والأساس النظري الذي يبنى فهمه عليه ، وللعلاقة بين العلّة والمعلول ، وقراءة أخرى تنطلق من مدرسة الحكمة المتعالية وطبيعة الفهم الذي تقدّمه للوجود الإمكانى وللعلاقة بين العلّة والمعلول وما يترتّب على ذلك من تصحيح نسبة الفعل إلى الله والإنسان . في الوقت الذي يسجِّل البحث صحّة القراءتين انطلاقاً من صحّة الأساسين المعرفيين اللذين ينهضان عليهما ، لا يخفى تبنّيه للقراءة الثانية وأنّها أتمّ من الأولى وأكثر انسجاماً مع المضامين النصّية . 13 ممّا أشار إليه البحث طبيعة العلاقة بين نظريات المسلمين في هذا النمط من المقولات العقيدية وبين واقعهم الاجتماعي ، انطلاقاً من التأثير القائم بين الفكر العقيدي والفكر الاجتماعي . فبقدر ما يتعلّق الأمر بمقولة التقدّم والتخلّف بمعناهما المدني ، لاشكّ أنّ الحالة التي تعيشها مجتمعات المسلمين من خلال الرؤية الأشعرية ، في كيفيّة تعاملها مع الطبيعة من حولها وما تزخر به من إمكانات وطاقات ، تركت آثاراً فظيعة على الواقع الحاضر . فالنظرية الجبرية ونسبة كلّ شئ إلى الله بالمعنى الأشعري ، يجمّد الفعل الإنسانى إزاء الطبيعة ويصدّ الإنسان عن المبادرة والاقتحام والإبداع . على أنّ التبعات السلبية ستتضاعف على المسلمين أكثر حينما نضمّ إليها تلك الآثار الناشئة عن مقولة الفواعل الاختيارية وخاصّة الفعل الإنسانى وتجاذبه بين القضاء والقدر بالمعنى العرفي الخاطئ ، كما سيجئ عنه الحديث تفصيلًا في البحث اللاحق .